أفكار ⭐ مقال مميز

ما لم يدوّنه الحارث بن كلدة

أحمد بن عبده المليكي
١٧ نوفمبر ٢٠٢٥
5 مشاهدة
5 دقائق قراءة
شارك المقال:
"

إن الجسد لا ينهار فجأة… بل ينطفئ حين نطالبه بما يفوق طاقته لسنوات دون التوقف لالتقاط الأنفاس.

ما لم يدوّنه الحارث بن كلدة

أثناء العودة من مكة المكرمة، وفي صحراء ممتدة، كأنها صفحةٌ فارغة تنتظر من يكتب عليها شيئًا من معنى، نزلنا للصلاة، وقضاء بعض الوقت وشرب الشاي، تحسس منير أثر شظية أصابت شدقه، ما زالت تحتاج إلى عناية طبية، رغم وصفه لها بأنها علامة صغيرة بقيت من حادثة كبيرة كادت أن تغيّب وجهه عن الدنيا، حوله، راح المغتربون يعددون أمراضهم، كما لو أنهم يقدّمون سجلاً يوميًا للغربة: القولون، السكري، الضغط، الربو… سلسلة لا تنتهي.

رفع بصره إلى السماء كمن يبحث عن إجابة يمكن أن تظهر له بين النجوم والكواكب، ثم قال بصوت متزن: "أي يمني – في الداخل أو مغترب - لا يعيش واحدًا من هذه الأمراض، فليخبرنا عن السرّ"، ضحك أحدنا بمرارة وهو يجيب: " الحمار الوحشي لا تُصيبه قرحة"، فتذكرت حينها فكرة لريتشارد تمبلر: أن القطط لا تعاني من أمراض الجهاز الهضمي؛ لأنها تتقن النوم.

الحقيقة أكثر وضوحًا مما نتخيل: الأمراض التي تظهر في الأربعينيات لا تبدأ في الأربعينيات، بل تبدأ مبكرًا… في لحظات الصمت الطويل غير المبرر، والإجهاد المتكرر، ومحاولات التماسك، وإصرار الإنسان على أن يبدو كل شيء سليمًا وهو ليس كذلك.

في ثقافتنا، لخص الشاعر الصورة بقوله:

وتجلّدي للشامتين أريهمُ أني لِهولِ الموتِ لا أترددُ

وبصيغة يومية:  نحاول بلع الموس بصمت.

حتى العبادة المحضة لم يتركنا الدين لمزاج القوة الزائفة؛ فالنبي ﷺ قال: «إن لبدنك عليك حقًا»، البدن ليس زينة، بل وسيلة الحياة، وإذا تعطّل تعطّلت الروح معه.والقلب لا ينهار فجأة، بل يضعف على مدى سنوات من الأحمال التي لا يصرح بها أصحابها.ارتفاع الضغط ليس من الملح وحده، بل من القهر والسهر والتفكير الذي لا يتوقف.

الجسد يحتاج إلى رعاية هادئة، إلى رحمة، إلى مساحات من السكون تشبه الجلوس حول نار بدوية آخر الليل.

يحتاج إلى راحة أكثر مما يحتاج إلى دواء. لكنّ المفارقة المؤسفة أن أكثر العلاجات فاعلية لجلب راحة البال، لا تُباع في الصيدليات.

المدن الحديثة لا تعرف التوقف، ومواقع التواصل ضخّت في حياتنا سرعةً تتجاوز قدرة الجسد على التحمّل، بيئات العمل أصبحت في كثير من الأحيان ضاغطة، والعالم الافتراضي يسرق من أعمارنا أكثر مما يمنح.

وفي النهاية يُطلب منا أن نعيش بإيقاع لا يناسب أجسادًا مثخنة بما يكفي من التعب.

هذه ليست مواعظ، بل حقائق.الأمراض لا تأتي وحدها، نحن نُصاحبها لسنوات دون أن ننتبه.والجسد لا ينهار فجأة، بل ينطفئ تدريجيًا…

حين نطلب منه أن يكون أقوى مما ينبغي، وأهدأ مما يستطيع، وأكثر احتمالًا مما خُلق له.

الوسوم والمواضيع:

#يوميات

تم التحديث في: ١٨ نوفمبر ٢٠٢٥

مشاركة المقال:
شارك المقال:

مواضيع ذات صلة

مقالات ذات صلة

السيرة النبوية

حين باعوا الدنيا واشتروا الجنة

في ليل منى كانت الليلة الوسطى من أيام التشريق. الناس نيام. قريش لا تعلم. والسماء تشهد. سبعون رجلاً وامرأتان في شِعب العقبة، في الظلام، وضعوا أيديهم في يد رجل مطارَد خائف لا يملك إلا رسالته -وبايعوه على السمع والطاعة والنفقة والنصرة، وعلى ألا تأخذهم في الله لومة لائم. تلك البيعة التي لا تُساوي في عيون قريش تلك الليلة شيئاً -كانت هي اللحظة التي انقسم فيها التاريخ. قبلها كان الإسلام محاصَراً في جبال مكة. وبعدها صار له وطن، وللوطن أمة، وللأمة حضارة أضاءت قروناً وقروناً. الأثر الكبير لا يبدأ دائماً بأعداد كبيرة. يبدأ بقلوب حقيقية. وكل ما شيَّدته القرون كان يوماً سبعين رجلاً في ليل.

٢٣ مايو ٢٠٢٦
قراءة
بناء القدرات

وهْم امتلاك المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي

إحدى إشكاليات اللحظة المعرفية الراهنة، هي الانتقال من «حيازة» المعرفة، والقدرة على إعادة إنتاجها، إلى مجرد «الوصول» إليها، ومن ثم نسبتها للذات. تنطلق المقالة من قراءة في التراث لتجربة ابن حزم الأندلسي في تحديه لمن أحرقوا كتبه، ورواية الإمام الغزالي عن قطاع الطريق في مدينة طوس، وحاله عندما أخذوا ما يحمله من علم في دفاتره. اليوم ربما ما يربو على ٩٠٪ هناك أنماط أربعة من منتجي المحتوى المعرفي والاستشاري والتدريبي: ناسخٌ ومحسّنٌ ومحللٌ وصاحب مُلكة، وبين الناسخ وصاحب المُلكة مسافةٌ لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بعمق الفهم وصدق الامتلاك للمعرفة، وحين تميّز بين هذه الأنماط الأربعة، ستفهم لماذا تبدو بعض المعارف والمخرجات متقنةً على الورق، وخاويةٌ عند النقاش. الكلمات المفتاحية: وهْم المعرفة، الكسل المعرفي، التعلم الذاتي المستدام، التفريغ الإدراكي.

١٤ مايو ٢٠٢٦
قراءة
ثقافة مؤسسية

الأمان في بيئات العمل

الأمان يطلق طاقة العقول، ويحوّل الصراحة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفوق مؤسسي مستدام، والبيئة الآمنة تزدهر فيها الثقة، ويتسارع فيها التعلم، ويتعمق فيها الأثر، وكل مؤسسة يرتفع سقفها بقدر ما يرتفع منسوب الأمان فيها، وحين يصبح الأمان ثقافة راسخة، تعمل العقول بكامل نورها، وتتحرك المؤسسات بثبات نحو الريادة.

١١ فبراير ٢٠٢٦
قراءة