حين باعوا الدنيا واشتروا الجنة
في ليل منى كانت الليلة الوسطى من أيام التشريق. الناس نيام. قريش لا تعلم. والسماء تشهد. سبعون رجلاً وامرأتان في شِعب العقبة، في الظلام، وضعوا أيديهم في يد رجل مطارَد خائف لا يملك إلا رسالته -وبايعوه على السمع والطاعة والنفقة والنصرة، وعلى ألا تأخذهم في الله لومة لائم. تلك البيعة التي لا تُساوي في عيون قريش تلك الليلة شيئاً -كانت هي اللحظة التي انقسم فيها التاريخ. قبلها كان الإسلام محاصَراً في جبال مكة. وبعدها صار له وطن، وللوطن أمة، وللأمة حضارة أضاءت قروناً وقروناً. الأثر الكبير لا يبدأ دائماً بأعداد كبيرة. يبدأ بقلوب حقيقية. وكل ما شيَّدته القرون كان يوماً سبعين رجلاً في ليل.
ينشغل الناس في متابعة أخبار الحجيج كل عام، وينشرون المواعظ عن الذكر والعمل الصالح في العشر من ذي الحجة، لكن ماذا كان يحصل قبل الهجرة النبوية في مثل هذه الأيام؟
ثمة لحظات في التاريخ لا تُقاس بالأيام ولا بالسنوات، وإنما تُقاس بما تتوهج به الأرواح.
لحظات يُفصَل فيها بين عالَمَين، ويُرسَم فيها خط لا يمحوه الزمن.
وبيعة العقبة الثانية في السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية كانت واحدة من تلك اللحظات القليلة التي تبدَّل فيها وجه الأرض، لا بسيوف مشهرة ولا بجيوش مجنَّدة، بل بكلمة صادقة خرجت في ليل دامس، وقلوب موقدة آثرت الله على كل شيء.
يحدثنا جابر بن عبدالله رضي الله عنه في حديث: "مكث رسول الله ﷺ عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي الموسم بمنى يقول: من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مصر كذا قال: فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، وهو يمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعًا.
فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة ويخاف.
فرحل إليه سبعون رجلًا منا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدنا شعب العقبة، فاجتمعوا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا فقلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في المنشط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا لله، لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني، إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة) قال: فقمنا إليه فبايعناه.
وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغرهم فقال: رويدًا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، إما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خبيئة فتبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا أسعد, فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا، ولا نسلبها أبدًا، فبايعناه فأخذ علينا، وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة".
الحديث فيه دروس في صناعة التحول لا يجود به التاريخ إلا في المحطات الكبرى.
هناك في شعب من شعاب منى، عند الصخور الصماء، وفي ليل منى الحارّ؛ لنسمع ما كان.
المشهد الأول: عشر سنوات على الطريق
يبدأ جابر رضي الله عنه حديثه من أبعد نقطة - من قبل أن يكون الأنصار ذكرًا - ليرسم لنا الخلفية الكاملة لذلك الليل العظيم.
يقول: «لبث رسول الله ﷺ عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في الموسم، وبسوق مجنّة وعكاظ وبمنازلهم بمنى يقول: من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلّغ رسالات ربي وله الجنة؟».
عشر سنوات.
ليست محاضرة واحدة.
ليست موسماً أو موسمين.
عشر سنوات كاملة، وكل موسم حج كان النبي ﷺ يخرج من مكة التي ضاقت به، إلى القبائل القادمة
من كل فج، لعله يجد من يسمع، ومن يؤوي، ومن يحمل معه النور إلى الأفق.
ذكر ابن هشام في سيرته أن رسول الله ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل في المواسم، فيأتي بني عامر بن صعصعة؛ فيكذّبونه، ويأتي بني كلاب؛ فيردّونه، ويأتي بني حنيفة؛ فيؤذونه، ويأتي بني كندة؛ فيعرضون عنه. وروى محمد بن إسحاق أن أبا لهب كان يتبعه من خيمة إلى خيمة يقول: «لا تطيعوه، فإنه صابئ كذّاب».
تأمل هذا المشهد المأساوي بكل عقلك وقلبك: رجلٌ يمشي بين الخيام والمضارب، يُعرِّض نفسه للرفض مرةً بعد مرة، وعمُّه البائس أبو لهب يمشي خلفه يُلغي كل كلمة يقولها.
ويصف جابر رضي الله عنه الأمر بصورة مذهلة: «ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل يُشيرون إليه بالأصابع» -الأصابع! تلك الإشارة الاحتقارية التي يعرفها كل إنسان في كل لغة وكل حضارة، رمز الاستهزاء والسخرية.
رسولنا عليه الصلاة والسلام لا يكل ولا يمل وهو يواجه الرفض عشر سنوات
أتى ذات موسم بني شيبان بن ثعلبة فاستمعوا، ثم قال قائلهم: «لو أيّدنا هذا الرجل لاجتاحتنا العرب»، ثم ردّوه ورفضوه.
أتى بني الحارث بن كعب؛ فردّوه، وأتى عُذرة وهمدان؛ فردّوه. عشر سنوات من الرفض المتكرر، ومع ذلك لم يتغيّر الرسول ﷺ، لم يُرخِص دعوته، ولم يُساوم على رسالته، ولم يُقدِّم إغراءات دنيوية.
بقي يقول نفس الكلمة: «من يؤويني حتى أبلّغ رسالات ربي وله الجنة» كأنه كان يعلم أن الجواب آتٍ لا محالة.
المشهد الثاني: كيف أشعلت يثرب النور
ثم يصف جابر رضي الله عنه آلية الانتشار بعبارة دقيقة مذهلة في إيجازها: «حتى بعثنا الله عز وجل له من يثرب، فيأتيه الرجل فيؤمن به، فيُقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبقَ دار من دور يثرب إلا فيها رهط من المسلمين يُظهرون الإسلام» هذه الجملة القصيرة تحتوي على نموذج تغييري متكامل، وهو من أدق ما وصفه التاريخ في آليات الانتشار الفكري والروحي.
المرحلة الأولى: الاتصال الشخصي
«فيأتيه الرجل»، لا جماعة، ولا وفد رسمي، لا مؤتمر. رجل واحد يأتي.
اللقاء الفردي هو نقطة البداية.
وهذا ما يُسميه علماء الاجتماع اليوم التأثير الشخصي المباشر -أقوى أشكال الإقناع وأعمقه أثراً.
المرحلة الثانية: التعليم العميق
«فيُقرئه القرآن» -لم يكتفِ النبي ﷺ بالإيمان السطحي. كان يُزوّد كل قادم بالزاد الروحي الكافي ليحمل الرسالة بعد رحيله.
القرآن كان هو أداة التعليم والتحويل معاً.
كلماته كانت تعمل في القلب، حتى بعد أن يبتعد الرجل آلاف الأميال.
المرحلة الثالثة: الانتشار العضوي
«فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه».
كل شخص تحوّل صار مركزاً للتأثير في محيطه.
ليس تبشيراً منظماً، بل تحوّل حقيقي يشعّ بالتلقائية.
الزوجة تلاحظ التغيير في زوجها، الأبناء يرون أباً مختلفاً، والأسرة تنجذب إلى ما أشعل ذلك التحول.
يذكر ابن إسحاق أن الصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه كان أول سفير يبعثه النبي ﷺ إلى يثرب، وقد عُهد إليه بتعليم القرآن وتفقيه الناس في الدين، ويروي ابن هشام أن مصعب نزل على أسعد بن زرارة رضي الله عنه، ثم انطلق معه في يثرب حتى أسلمت أسر كاملة.
وممن أسلم على يديه سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله عنهما، وهما من سادات الأوس، فلما أسلما تحوّل قومهما بإسلامهما.
قال ابن هشام: «فلم يبقَ بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه ذكرٌ من رسول الله ﷺ، حتى إذا أذن الله في الهجرة ائتمر المسلمون من الأنصار على البيعة لرسول الله ﷺ».
في ظرف سنتين لا أكثر من بيعة العقبة الأولى إلى الثانية، تحوّلت يثرب كلها.
ليس بسبب فتح عسكري، ولا بسبب قوة سياسية. بسبب رجل تحوّل، وأقرأ القرآن، ورجع إلى بيته.
المشهد الثالث: قرار السبعين
ثم تصل قصة جابر إلى لحظتها الكبرى: «ثم بعثنا الله عز وجل، فأتمرنا، واجتمع سبعون رجلاً منا، فقلنا: حتى متى نذر رسول الله ﷺ يُطرَد في جبال مكة ويخاف؟»
هذه الجملة تستحق وقفة طويلة.
«أتمرنا»: تشاورنا، ائتمرنا بأمرنا.
لم يكن قراراً فردياً ولا قراراً مفروضاً من فوق.
كان قراراً جماعياً خرج من ضمير مجتمع واعٍ يرى ما يحدث ولا يستطيع الصمت.
رجال في المدينة يسمعون من المسلمين العائدين من مكة: إن رسول الله ﷺ يُطرَد، يُلاحَق، يُحاصَر. والسؤال الذي انفجر في قلوبهم: حتى متى؟
«حتى متى»، هذا ليس سؤالاً فلسفياً.
هذا سؤال ينبع من عمق الشعور بالمسؤولية.
هؤلاء القوم لم يُسألوا، لم يُطلَب منهم شيء.
بادروا بأنفسهم.
والمبادرة الحقيقية؛ تلك التي لا يُجبرك عليها أحد، هي أعلى درجات الإيمان العملي.
يذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن الوفد تسلّل إلى مكة متنكّراً وسط حجاج القبائل، وأنهم واعدوا النبي ﷺ في الليلة الوسطى من أيام التشريق بعد منتصف الليل خُفية من قريش.
المشهد الرابع: العباس والقوم الأحداث
وتبلغ الرواية ذروتها حين يصف جابر حضور العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه -عمّ النبي ﷺ الذي لم يكن قد أسلم بعد، ولكنه أراد أن يتحقق من أمان ابن أخيه، والعباس تاجر وله معرفة بوجهاء المدينة وأصحاب الرأي، وهو رجل بالغ الحكمة، خبير بالسياسة والقبائل، يُحدِّق في وجوه القادمين.
وفجأة تفلت منه هذه العبارة المذهلة: «هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث!»
أحداث! شبابٌ! وهم الذين سيغيّرون وجه الأرض!
ما أجهلنا حين نحقر صغار السن ونستهين بحماسهم.
يذكر ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية أن العباس قال هذا ليستوثق لابن أخيه -أراد أن يقول: هؤلاء ليسوا من أشراف يثرب وكهولها المخضرمين الذين يُعتمَد على وعودهم، بل شباب لا يُدرى كيف يثبتون تحت الضغط.
ولكن التاريخ أثبت أن الشباب كانوا أثبت من كثير من الشيوخ.
المشهد الخامس: الصدق الذي يُخيف
وسألوا: «يا رسول الله، علامَ نبايعك؟»
ولحظة الجواب هي لحظة الكشف الكامل.
ماذا قال؟ هل وعدهم بنصر سريع؟
هل وعدهم بغنائم؟
هل خفَّف عليهم الأثمان؟
لا. وضع أمامهم شروطاً كاملة غير مُجمَّلة:
«تُبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة".
أولاً: «في النشاط والكسل»
هذا شرط يفضح الطاعة المنتقاة. كثير من الناس يُطيعون حين يشتهون، ويتعذّرون حين يكسلون. والنبي ﷺ لا يريد طاعة موسمية. يريد طاعة راسخة لا تتوقف على المزاج. وهذا أصعب ما في الالتزام -أن تبقى ثابتاً حتى حين تكون كسلاً.
ثانياً: «في العسر واليسر»
كل إنسان يُنفق حين يملك.
الإيمان الحقيقي أن تُنفق حين لا تملك إلا القليل.
وهذا الشرط كان إشارة إلى أن القادم من أيام الدعوة سيكون فيه حصار وضيق وقلة موارد، وأراد النبي ﷺ أن يُواجههم بهذا قبل أن يبايعوه.
ثالثاً: «لا تأخذكم فيه لومة لائم»
وهذا أصعب الشروط وأشدّها على النفس.
الخوف من اللوم هو السجن الأكبر الذي يعيش فيه معظم الناس.
أن تقول الحق وأمامك من يلومك على قوله، أن تُنكر المنكر وحولك من يتسخّط -هذا هو الشرط الأكثر كُلفةً لأنه يمسّ الكرامة والقبول الاجتماعي، وهما أعزّ ما يملك الإنسان بعد الحياة.
أراد أن يُعلمهم أن الدعوة ستكون دعوة حق لا تُجامل ولا تُداري، وأن المؤمن يجب أن يكون أملك لموقفه من أن تُحرّكه أقوال الناس وتهديداتهم.
رابعاً: «تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم»
الجملة الأعمق في البيعة كلها.
لم يطلب النبي ﷺ أكثر مما يطلبه أيُّ صاحب لصاحبه: امنعني مما تمنع نفسك.
دمي مثل دمك.
كرامتي ككرامتك.
لا استثناء ولا تفضيل لأحد على أحد.
وهذا ما يُسمّيه علماء الأخلاق «التعاهد على المساواة»
وهو أرسخ أنواع العقد الاجتماعي في التاريخ.
المشهد السادس: أسعد بن زرارة - خطاب الصادق الشجاع
وهنا يبلغ النص ذروته الحقيقية.
النبي ﷺ قال ما قال، وانتظر. فقام رجل واحد لا من أكبر القوم -بل من أصغرهم -وأمسك بيد النبي ﷺ وقال لأصحابه كلاماً هو أشد وطأةً وأعمق تأثيراً من أي كلام حماسي زاعق.
أسعد بن زرارة رضي الله عنه -هذا الرجل الذي ستقصّر عنه كتب كثيرة وهو يستحق مجلداً وحده.
«رُوَيداً يا أهل يثرب! إنّا لم نضرب إليه أكباد المطيّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله.
إنّ إخراجَه اليومَ مفارقةُ العرب كافة، وقتلُ خياركم، وأن تعضَّكم السيوف! فإمّا أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مسَّتكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة -فخذوه وأجركم على الله. وإمّا أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفةً -فذروه، فهو أعذر عند الله!».
قف هنا طويلاً.
هذا الشاب لا يُحفّزهم بوعود الانتصار.
لا يقول: «ستنتصرون على العرب»، ولا «ستكون لكم الغنائم».
يقول الضد تماماً: ستنزفون، ستفقدون خياركم، وستعادون العرب كلهم.
وثم يقول: "إن كنتم مستعدين لهذا كله -فخذوه. وإن لم تكونوا -فاتركوه، وهذا هو العذر الصادق.
يُسمّي علماء الخطابة هذا الأسلوب «التحدي الصريح» أو «اختبار النية قبل التعاهد» -وهو من أنجع الأساليب في تثبيت القناعات لأنه يُحوّل القرار من عاطفة لحظية إلى اختيار واعٍ.
من بايع بعد كلام أسعد -بايع وعينه مفتوحة على الثمن كاملاً.
هذا الشاب هو أول من صلى الجمعة في الإسلام، وكان من أوائل من أسلم من الأنصار، وكان هو الذي صحب مصعب بن عمير حين قدم المدينة مُعلِّماً. وتوفي قبل بدر رضي الله عنه، وبكى النبي ﷺ على وفاته، وابتهج بموته المنافقون واليهود.
رجل أشعل الطريق ثم رحل قبل أن يرى الفتح -لكن أثره بقي.
المشهد السابع: الجواب الذي هزَّ الجبال
وحين أنهى أسعد رضي الله عنه كلامه وأمسك بيد النبي ﷺ، توقعت أن يتردد القوم.
توقعت أن يتراجع بعضهم.
توقعت نقاشاً طويلاً. لكن الذي حدث كان شيئاً لا يصدّقه العقل المُعلَّم على المصلحة الباردة.
قالوا له -وهو يُمسك بيد النبي ﷺ كأنه يقول: فكّروا قبل أن تقدموا:
«يا أسعد بن زرارة، أمِطْ عنّا يدك! فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها!»
«أمط عنا يدك» -أزِحْ يدك، لا نحتاج إلى من يُثبِّطنا! لم ينتظروا أن يُقنعهم أحد بالإقدام -اعترضوا على من يُثبِّطهم! وقسموا بالله أنهم لن يتركوا هذه البيعة ولن يطلبوا إقالتها.
وهذا من أعظم ما يدل على صدق إيمانهم وقوة يقينهم، أنهم حين وُصِف لهم الأمر بأشد صورة استزادوا تصميماً لا تراجعاً.
وهذه هي علامة الإيمان الحقيقي في مقابل الحماسة المصطنعة: الحماسة المصطنعة تنكسر عند أول عقبة، أما اليقين الراسخ فيشتدّ بالعقبات كما يشتدّ الجمر بالنفخ.
ثم قاموا إليه -رجلاً رجلاً -يأخذ عليهم العباس الشروط ويعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. صورة من أجمل ما رسمه التاريخ: رجل رجل، في ليل مكة، بين الصخور، يضع يده في يد النبي ﷺ -ويُودِّع الدنيا بكل ما فيها.
فقه التأثير: دروس الحدث لكل زمان
عشر سنوات من الرفض لم تُغيِّر النبي ﷺ.
لم يُبدِّل رسالته، ولم يُخفِّف ثمنها.
الدرس: التأثير العميق لا يُقاس بالاستجابة الفورية.
بُذرة تُزرع اليوم قد تُثمر بعد عقد.
والداعية الذي يتوقف عند أول رفض إنما يكشف أن ثقته في رسالته لم تكن كافية.
يأتي النصر من حيث يشاء الله ويريد
يثرب التي يتقاتل فيها أبناء العم من الأوس والخزرج منذ سنوات.
وتتحكم فيها ثلاث قبائل من اليهود
وفيها الحمى والملاريا والبلهارسيا، وبسببها مات أبُ النبي صلى الله عليه وسلم وأمُّه.
يثرب التي لم يُرسل النبي ﷺ جيشاً لفتحها.
أرسل رجلاً يُقرئ القرآن.
والقرآن عمل في القلوب فعمل القلبُ في الأسرة.
هذا النموذج -تحويل الفرد ليُحوِّل محيطه -هو أكثر نماذج التغيير استدامةً على مرّ التاريخ.
الصدق في عرض الثمن يصنع قناعات راسخة
حين قال أسعد بن زرارة رضي الله عنه لقومه: «ستُعضّكم السيوف»، ومع ذلك بايع السبعون رجلًا النبي صلى الله عليه وسلم على ما يريد ويشترط لنفسه، كان هذا توقيع قناعة لا عاطفة.
من يبايع وهو يعلم الثمن لن يتراجع حين يأتي الثمن.
أما من بايع مخدوعاً بوعود مُجمَّلة فإنه يتفكّك عند أول عقبة.
الصدق الكامل قد يُخيف في البداية ويُنقّص العدد، لكنه يُنتج نوعية لا تُقارَن.
الأحداث والشباب هم الذين يُغيِّرون التاريخ
«هؤلاء أحداث» -قالها العباس باستغراب.
قالها التاريخ بعده تعجباً.
ومع ذلك هؤلاء الأحداث هم الذين آووا الإسلام وحملوه حين رفضه الكهول.
دائماً في التاريخ: الطاقة الكبرى للتغيير تأتي من الجيل الذي لم تُثقله بعد أعباء المصلحة والحذر المزمن.
التحدي الصريح أقوى من الترغيب المُسرِف
خطاب أسعد بن زرارة رضي الله عنه هو النموذج الأمثل لما يُسمّى «القيادة بالوضوح»،
أن تُبيِّن للناس كاملَ ما ينتظرهم، وتتركهم يختارون بعيون مفتوحة.
وهذا ما ميّز قرارهم: لم يكن قراراً عاطفياً سرعان ما ينكسر، بل كان عقداً وجدانياً وعقلياً موقَّعاً بالبصيرة الكاملة.
رضي الله عن أسعد بن زرارة الذي مسك بيد النبي ﷺ ثم مات قبل أن يرى الفتح - فكان شمعةً أشعلت مشاعل لا تُحصى.
ورضي الله عن السبعين الذين قالوا «لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها» - فكانوا القواعد التي رُفع عليها صرح أمة.
وصلى الله وسلم على من مشى عشر سنوات وهو يواجه الكفر والشرك والعنت ولم يتوقف -وكان يعلم أن الجواب آتٍ، لأن مَن أرسله لا يُخلف الميعاد.
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
الوسوم والمواضيع:
تم التحديث في: ٢٣ مايو ٢٠٢٦