عصيدك متن

أحمد بن عبده المليكي
١٩ نوفمبر ٢٠٢٥
7 مشاهدة
5 دقائق قراءة
شارك المقال:
"

عن الاعتماد على النفس، ومفارقة الاتكالية، والقيام بما لا يقوم به أحدٌ سواك

عصيدك متّنها

والعصيد: هي مسؤوليات، الواجبات، متطلبات النفس والأسرة وغيرها،

والتمتين: الجهد، الصبر، الاستمرار، المواجهة.

لا أحد سيُمتّن لك عصيدتك، وظروفك، وسيحسن مشاعرك، وليس ثمة من سيقوّي نفسك عنك، ولا أحد سيفكّ مشكلاتك نيابةً عنك، ما لم تبادر أنت بالعمل.

قم أنت بما يلزم… لأنك إن لم تفعل، لن يفعله أحد.

والناس لا تساعد من لا يساعد نفسه.

الطالب الذي يتذمر من النتيجة، ويلوم الناس والظروف أنهم السبب في تدنيها.

الشاب الذي يبحث عن وظيفة دون أن يعمل على نفسه، لتكون مناسبة لمتطلبات سوق العمل الذي يبحث عن فرصة فيه، ثم يلوم الآخرين أنهم لم يتعاونوا معه.

الأب الذي يشتكي من تقصير المعلم والخطيب في تربية ذريته، وهو لم يبذل أي جهد في ذلك.

أن تواجه مشكلات، وتطلب من الجميع حلها، بينما أنت الوحيد الذي يملك مفاتيحها، لا تريد أن تتعب في الحل.

*

أنت تعرف أن:

- المسؤولية الذاتية لا تُفوّض.

- الاعتماد الزائد على الآخرين يضعف النفس.

- النجاح الحقيقي يصنعه من يُقلب الأيام، ويصارع الأهوال بنفسه.

- ومن لا يتمتن مسؤوليته… يأكل همًا وغمًا بطعم العلقم.

فلا تنتظر من أحد أن يحلّ مشاكلك، ما لم تكن تعاني وتعاني وتعاني في حلها.ولا تطلب من أحد أن يُقوّمك بدلًا منك، فلن يقبل منك أحدٌ ذلك.فمن لم يُمتّن عصيدته بيده، أكلها نيئة… أو مبرقطة

إلى كل شاب في ريعان شبابه، قف على قدميك، خذ ملعقتك، وقلب قِدرك، فإن النضج في هذه الحياة لا يُشترى،والانجازات لا تهدى ولا تورث ولا تحول عبر مكان الصرف الآلي، بل تمتّن تمتينًا.

لا أحد سيواجه أقدارك غيرك، ولا أحد يعرف حرارة معاناتك كما تعرفها، ولا أحد يشعر بنضج خبرتك سواك.

الحياة ليست وصفة تُنسخ، بل قدرٌ متقلب يغلي، وتجب مراقبه، ونارٌ مشتعلة لا تخبو، وقد لا تبقي لك شيئًا، وملعقة وأدوات تمسكها يدك لا يد غيرك.

ليس هناك سوقٌ تُباع فيه التجارب، بل هو الكد والكدح والتعب والنصب، وليس ثمة دكان يُعلّب فيه الصبر ويُوزّع على الراغبين.

بل يُنتزع من تعب الأيام، ومن خيبات البدايات، ومن دموع الصمت، ومن سهر الليل على أسئلة لا تُجاب.

لن يُقدّم لك أحد نسختك الكاملة من سيرتك الذاتية مغلّفة بشريط أحمر، في عيد ميلاد، ولا شهادة في حفل تخرّج.

بل هو قطع من جلدك تنضج في نار المواقف،وفتاتٌ من نفسيتك وصحتك، تعيد صياغتك بعد كل انكسار، وملامحٌ جديدة ترسمها أنت على وجهك كلما قمت من سقطة.

هل تتابع الأفلام الوثائقية عن البرية، كلما كانت الضربات في وجه الأسد كثيرة، كانت دليلا على قوته، وفرط شجاعته، واكتمال خبرته في حماية العرين.

فيا صاحبي… لا تقل: “ساعدوني!” قبل أن تقول للآخرين، لقد بدأت، وبذلت، وتحملت الحرارة واللغب، وقلبت قدري، واحتاج للمساعدة.فإن لم تفعل…فاعذر من لم يهرع لنجدتك، خاصة في هذا الزمن القاسي، الذي تعلى فيه من شأن الفردانية، وحب الذات، والتمحور حولها، فـمن لا يطبخ… لا يُنتظر منه أن يأكل.

وخير من المثل قول النبي ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز." أي أن التمتين الحقيقي… يبدأ من داخلك.

الوسوم والمواضيع:

#يقولون في البادية

تم التحديث في: ١٩ نوفمبر ٢٠٢٥

مشاركة المقال:
شارك المقال:

مواضيع ذات صلة

مقالات ذات صلة

السيرة النبوية

حين باعوا الدنيا واشتروا الجنة

في ليل منى كانت الليلة الوسطى من أيام التشريق. الناس نيام. قريش لا تعلم. والسماء تشهد. سبعون رجلاً وامرأتان في شِعب العقبة، في الظلام، وضعوا أيديهم في يد رجل مطارَد خائف لا يملك إلا رسالته -وبايعوه على السمع والطاعة والنفقة والنصرة، وعلى ألا تأخذهم في الله لومة لائم. تلك البيعة التي لا تُساوي في عيون قريش تلك الليلة شيئاً -كانت هي اللحظة التي انقسم فيها التاريخ. قبلها كان الإسلام محاصَراً في جبال مكة. وبعدها صار له وطن، وللوطن أمة، وللأمة حضارة أضاءت قروناً وقروناً. الأثر الكبير لا يبدأ دائماً بأعداد كبيرة. يبدأ بقلوب حقيقية. وكل ما شيَّدته القرون كان يوماً سبعين رجلاً في ليل.

٢٣ مايو ٢٠٢٦
قراءة
بناء القدرات

وهْم امتلاك المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي

إحدى إشكاليات اللحظة المعرفية الراهنة، هي الانتقال من «حيازة» المعرفة، والقدرة على إعادة إنتاجها، إلى مجرد «الوصول» إليها، ومن ثم نسبتها للذات. تنطلق المقالة من قراءة في التراث لتجربة ابن حزم الأندلسي في تحديه لمن أحرقوا كتبه، ورواية الإمام الغزالي عن قطاع الطريق في مدينة طوس، وحاله عندما أخذوا ما يحمله من علم في دفاتره. اليوم ربما ما يربو على ٩٠٪ هناك أنماط أربعة من منتجي المحتوى المعرفي والاستشاري والتدريبي: ناسخٌ ومحسّنٌ ومحللٌ وصاحب مُلكة، وبين الناسخ وصاحب المُلكة مسافةٌ لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بعمق الفهم وصدق الامتلاك للمعرفة، وحين تميّز بين هذه الأنماط الأربعة، ستفهم لماذا تبدو بعض المعارف والمخرجات متقنةً على الورق، وخاويةٌ عند النقاش. الكلمات المفتاحية: وهْم المعرفة، الكسل المعرفي، التعلم الذاتي المستدام، التفريغ الإدراكي.

١٤ مايو ٢٠٢٦
قراءة
ثقافة مؤسسية

الأمان في بيئات العمل

الأمان يطلق طاقة العقول، ويحوّل الصراحة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفوق مؤسسي مستدام، والبيئة الآمنة تزدهر فيها الثقة، ويتسارع فيها التعلم، ويتعمق فيها الأثر، وكل مؤسسة يرتفع سقفها بقدر ما يرتفع منسوب الأمان فيها، وحين يصبح الأمان ثقافة راسخة، تعمل العقول بكامل نورها، وتتحرك المؤسسات بثبات نحو الريادة.

١١ فبراير ٢٠٢٦
قراءة