بناء القدرات⭐ مقال مميز

التآكل البطيء للإنجاز

أحمد بن عبده المليكي
١٧ نوفمبر ٢٠٢٥
10 مشاهدة
5 دقائق قراءة
شارك المقال:
"

تحليل لأسباب الفشل الخفي ومخاطر الثقة الزائدة

مقدمة: الحذر من الشر

اعتمد حذيفة بن اليمان رضي الله عنه سبيلًا كاد أن يميزه عن غيره؛ حيث لم يكتفِ بمعرفة الخير، بل كان يسأل عن الشر؛ بغية الحذر من الوقوع فيه (ابن حجر، 1959، ج13، ص35–37). هذه المقاربة قد نستفيد منها على الجانب الفردي أو المؤسسي؛ حيث لا ينبغي أن يقتصر النظر على النجاحات، بل يشمل الأخطاء المحتمل وقوعها، واستشراف المخاطر، حتى في أوج لحظات الازدهار.

التحسين المستمر مقابل التدهور الخفي

كما أَنَّ التحسين اليومي مهما كان صغيرًا؛ يؤدي في النهاية إلى نجاحات متراكمة، ويعزز قوة الفرد أو المؤسسة (البرقعاوي، 2023، ص39)، قد يؤدي إهمال الأخطاء المتكررة، ولو كانت صغيرة؛ إلى تآكل تدريجي للمنجزات، وربما لا يكون ملحوظًا في البداية، وخاصة في أثناء نشوة النجاح، لكنه يُعَدُّ كارثيًّا عند بلوغه نقطة الانهيار.

أسطورة فأرة سد مأرب

تروي الأساطير أن سبب انفجار سد مأرب، كان في نخر جدرانه العظيمة من قبل فأرة، وما عسى فأرة أن تحدث في جدران سد يحجز ملايين الأطنان من الماء، لكن بالاستمرار أفضى عملها إلى تصدع الجدران، وانفجر السد؛ ليحدث سيل العرم الذي بدد مملكة بأكملها.

فالشرور العظمى تبدأ غالبًا من تفصيل صغير يُهمل، ويؤيد هذه الأسطورة مفهوم "تأثير الفراشة"؛ حيث يؤدي خلل بسيط في النظام إلى تداعيات كارثية على المدى البعيد (سميث، 2017، ص. 16).

جذور الفشل التدريجي

ثمة أوهام وأخطاء ذهنية وسلوكية تؤدي إلى الوهن والانهيار على المستوى الفردي والمؤسسي، منها:

- وهم الامتلاء بالمعرفة: هو ما يُعرف بـتحيز التأكيد (العمري، 2024، ص. 454)؛ حيث يظن الفرد أَنَّهُ يعلم كل شيء، ويمكنه أن يفتي في أي مسألة، ومما يزيد الطين بلة نماذج الذكاء الاصطناعي، هذا الأمر قد يدفعه إلى التوقف عن التعلم الذاتي، فيصبح عقله مغلقًا أمام المستجدات، وقد ظهر ما يسمى بالأمية الأكاديمية، بوصفها أحد مظاهر هذا الخطر.

- غرور الخبرة: عدم الاعتماد على البيانات في تحليل الواقع، بل الميل إلى اعتماد مقاربة القيادة بالماضي، وبالحدس الشخصي (كانمان، 2017، ص. 289).

- السرعة وحرق المراحل: استعجال النتائج (باديلي، 2017، ص. 46)؛ وهو ما يسبب أخطاء تكتيكية، ونتائج استراتيجية مدمرة.

- سُكر النجاحات السريعة: الدخول في حالة التنويم بالإنجاز (Bookey, n.d.)، وخاصة عند سماع الكثير من المدح والثناء، وكثرة الاحتفال بما يجعل الإنجاز أكبر من حجمه الطبيعي، وقد يؤدي إلى إغفال التحديات القادمة.

- ثقافة هز الرأس: الامتثال الجماعي، دون تمحيص للرأي (Hart, 1991, p. 250)، لو صدر من أعلى مستوى قيادي. وهذا الأمر إن كان يؤدي إلى قرارات غير مدروسة، فَإِنَّهُ يثمر خطرًا أشد؛ إذ قد يتجه الكثير إلى تقديم التحليل الرغبوي للمشكلات، ومن ثم نسعى إلى اتخاذ قرارات؛ بناءً على ما نرغب في تصديقه، بدلاً عن الواقع الموضوعي.

خاتمة

القوة الحقيقة تكمن في ممارسة التحليل النقدي حتى في لحظات النجاح، وفي الحرص على التحسين المستمر الذي يبنى تدريجيًّا، وفي الحذر من التآكل التدريجي الذي يؤدي إلى الانهيار، خاصة إذا غذّته أوهام الثقة الزائدة والجمود الفكري.

المراجع

- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. (1959). فتح الباري شرح صحيح البخاري (ج13، ص35–37). بيروت: دار المعرفة.

- باديلي، م. (2017). الاقتصاد السلوكي: مقدمة قصيرة جدًا (ترجمة أسماء الطيفي). مؤسسة هنداوي.

- البرقعاوي، أسامة أحمد. (2023). 'التأثير المشترك للتحسين المستمر والتدريب في إدارة الجودة الشاملة' [رسالة ماجستير غير منشورة]. جامعة القادسية، العراق.

- سميث، ل. (2017). نظرية الفوضى (ترجمة محمد سعد طنطاوي). مؤسسة هنداوي.

- العمري، ع. خ. (2024). 'التحيز التأكيدي وعلاقته بالعوامل الخمسة الكبرى للشخصية لدى طلبة الجامعة'. المجلة الأردنية في العلوم التربوية، 20(3)، 453–466.

- كانمان، د. (2017). التفكير السريع والبطيء (ترجمة شيماء الريدي ومحمد طنطاوي). مؤسسة هنداوي.

Collins, J. (2009). How the mighty fall: And why some companies never give in. HarperBusiness.

- Bookey. (n.d.). How the mighty fall: Understanding decline—Five stages to recovery and renewal. [Book summary].

The Slow Erosion of Achievement

الوسوم والمواضيع:

#تطوير#الانجاز#تحليل

تم التحديث في: ١٨ نوفمبر ٢٠٢٥

مشاركة المقال:
شارك المقال:

مواضيع ذات صلة

مقالات ذات صلة

السيرة النبوية

حين باعوا الدنيا واشتروا الجنة

في ليل منى كانت الليلة الوسطى من أيام التشريق. الناس نيام. قريش لا تعلم. والسماء تشهد. سبعون رجلاً وامرأتان في شِعب العقبة، في الظلام، وضعوا أيديهم في يد رجل مطارَد خائف لا يملك إلا رسالته -وبايعوه على السمع والطاعة والنفقة والنصرة، وعلى ألا تأخذهم في الله لومة لائم. تلك البيعة التي لا تُساوي في عيون قريش تلك الليلة شيئاً -كانت هي اللحظة التي انقسم فيها التاريخ. قبلها كان الإسلام محاصَراً في جبال مكة. وبعدها صار له وطن، وللوطن أمة، وللأمة حضارة أضاءت قروناً وقروناً. الأثر الكبير لا يبدأ دائماً بأعداد كبيرة. يبدأ بقلوب حقيقية. وكل ما شيَّدته القرون كان يوماً سبعين رجلاً في ليل.

٢٣ مايو ٢٠٢٦
قراءة
بناء القدرات

وهْم امتلاك المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي

إحدى إشكاليات اللحظة المعرفية الراهنة، هي الانتقال من «حيازة» المعرفة، والقدرة على إعادة إنتاجها، إلى مجرد «الوصول» إليها، ومن ثم نسبتها للذات. تنطلق المقالة من قراءة في التراث لتجربة ابن حزم الأندلسي في تحديه لمن أحرقوا كتبه، ورواية الإمام الغزالي عن قطاع الطريق في مدينة طوس، وحاله عندما أخذوا ما يحمله من علم في دفاتره. اليوم ربما ما يربو على ٩٠٪ هناك أنماط أربعة من منتجي المحتوى المعرفي والاستشاري والتدريبي: ناسخٌ ومحسّنٌ ومحللٌ وصاحب مُلكة، وبين الناسخ وصاحب المُلكة مسافةٌ لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بعمق الفهم وصدق الامتلاك للمعرفة، وحين تميّز بين هذه الأنماط الأربعة، ستفهم لماذا تبدو بعض المعارف والمخرجات متقنةً على الورق، وخاويةٌ عند النقاش. الكلمات المفتاحية: وهْم المعرفة، الكسل المعرفي، التعلم الذاتي المستدام، التفريغ الإدراكي.

١٤ مايو ٢٠٢٦
قراءة
ثقافة مؤسسية

الأمان في بيئات العمل

الأمان يطلق طاقة العقول، ويحوّل الصراحة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفوق مؤسسي مستدام، والبيئة الآمنة تزدهر فيها الثقة، ويتسارع فيها التعلم، ويتعمق فيها الأثر، وكل مؤسسة يرتفع سقفها بقدر ما يرتفع منسوب الأمان فيها، وحين يصبح الأمان ثقافة راسخة، تعمل العقول بكامل نورها، وتتحرك المؤسسات بثبات نحو الريادة.

١١ فبراير ٢٠٢٦
قراءة