بناء القدرات⭐ مقال مميز

الإعانة والصناعة في بيئة العمل

أحمد بن عبده المليكي
١٧ نوفمبر ٢٠٢٥
8 مشاهدة
5 دقائق قراءة
شارك المقال:
"

في زمنٍ يركض فيه الجيل خلف السرعة كأنها خلاصه الوحيد، تتعثر بيئات العمل بين اندفاع المبتدئين وخفوت أثر الخبراء، فيجيء التوجيه النبوي الكريم: «تُعينُ صانعًا أو تَصنعُ لأخرق» كضوءٍ يهدي الطريق

الإعانة والصناعة في بيئة العمل

تتصف الأجيال المعاصرة بالميل نحو الثقافة والأنشطة والمعلومات السريعة، والاستهلاك اللحظي للمحتوى؛ وهو ما أدى إلى انخفاض التركيز، وقلة الاهتمام بالمحتوى العميق؛ الأمر الذي أثمر ما يمكن تسميته بالتسطيح الثقافي (الخلف، ٢٠٢٤، ص: ٧)، وهذا الثقافة الفردية تنتقل إلى بيئات العمل المؤسسي، وتمثل تحديًا مزدوجًا، في كيفية تسريع إنتاجية المواهب الجديدة(ريتشنبرج، 2017)، وفي تعظيم أثر الخبراء في نقل خبراتهم وتشارك المعرفة الصريحة والضمنية التي لديهم.

وعند التأمل في الحديث الذي أرشد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر الغفاري رضي الله عنه إلى أفضل الأعمال، جاء منها: «تُعينُ صانعًا، أو تَصنعُ لأخرق» (مسلم، 1991، رقم 84)، والصانع" هو الذي تدرب وأجاد عمله، وله خبرات متراكمة في مجاله.

أمَّا الأخرق: فهو الذي ليس بصانع ولا يحسن العمل (ابن حجر العسقلاني، 1379هـ، 5/149)، فهو المبتدئ الذي يفتقر إلى المهارة، وليس له خبرة سابقة، وهذا الحديث يقدم نموذجًا تشغيليًّا لبناء منظومة تمكين معرفية مستدامة، ترتكز على محورين: "صناعة المبتدئ" بالتهيئة المنهجية، و"إعانة الخبير"؛ لتحويل خبرته إلى أصلٍ مؤسسي، تنقله من تقديم المنفعة اللحظية إلى بناء الممكنات، ويمكن تفصيل ذلك في محورين:

الأول: تسريع منحنى التعلّم للمواهب الجديدة

يمثل المبتدئ المنضم حديثًا إلى بيئة العمل تحديًا كبيرًا، فهو يعرف أن كل شيء على المحك، معرفته وقوته على نسج العلاقات، وقدرته على إثبات إمكانية الاعتماد عليه، ومن جهة المؤسسة يكون الهدف كامنًا في تقليل الزمن بين انضمامه، وبين قدرته على الفعالية والكفاءة، مع التزام وحُسن التمثيل للثقافة المؤسسية؛ لأنَّ الفشل في صناعته، وتوجيهه للعمل في أعمال لا يتقنها، يُعَدُّ هدرًا للاستثمار، وقد يكلفها ثمنًا باهظًا عند المستفيدين من خدماتها ومنتجاتها، ومن الأدوات المهمة في ذلك، إطلاعه على أدلة تشغيل مصغرة، وإدماجه في نظام المرافقة والتعلم من الأقران، والاستفادة من أرشيف الممارسات والتجارب الملهمة.

الثاني: تحويل الخبرة الفردية إلى أصلٍ مؤسسي

أمَّا الصانع والخبير في مجاله، فهو الأصل الأعلى قيمة لدى المؤسسة، ولكنه قد يتحول إلى عنق الزجاجة، فيغرق في تفاصيل ومهام صغيرة، كان من الممكن أن يقوم بها غيره، مع إنتاج لا يتناسب مع جهوده وخبراته وقدراته، وإعانته تعني تحرير وقته؛ ليصبح "مضاعِفًا للقدرات"، من خلال التفويض الفعال، وإسناد المهام الروتينية؛ ليتفرغ للأعمال الأكثر نفعًا وقيمة، والأهم من ذلك مساعدته على تحويل الخبرة الضمنية إلى أصول ضمن علميات إدارة المعرفة، وتوثيق خبرته في محتوى يلهم الآخرين ويعلمهم، وتقديره بتحويل مهامه من "منفِّذ ماهر" إلى "مُمكِّن صانع للمهارات".

أهمية مجتمعات الممارسة

وتبرز هنا آلية مهمة تتمثل في "مجتمعات الممارسة"؛ لتحويل تبادل المعرفة من مبادرة فردية إلى ثقافة مؤسسية، وكما أكدت دراسات (2021) Gallup و(2020) HBR، فَإِنَّ ثقافة الامتنان وتبادل الخبرة ترفع معدلات الاحتفاظ بالمواهب، وتتيح فرصًا أكبر للابتكار.

مقياس نضج آلية إعانة الصانع، وتمهير المبتدئ

يجب قياس أثر "الإعانة والصناعة" في بيئة العمل عبر مؤشرات أداء واضحة، منها:

- زمن الوصول إلى الإنتاجية للموظف الجديد.

- معدل انتقال المهارة (الترقي في سُلّم القدرات).

- مؤشر مضاعفة الخبرة (تحويل الخبرة إلى أصول معرفية).

- انخفاض معدل الأخطاء المتكررة (مؤشر جودة "الصناعة").

الخاتمة

إنَّ المؤسسات التي تنمو بوتيرة متوالية، هي التي تحوّل ثقافتها من "الاعتماد على الخبراء" إلى "صناعة منظومة من الخبراء"، وتحوّل المعرفة الفردية إلى قدرة مؤسسية مستدامة، وتعمل على إتاحة السبل كافة لتبادل المعرفة الصريحة والضمنية، وتكريس ثقافة حب التعلم، والابتعاد عن التمظهر الاجتماعي في بيئة العمل.

المراجع

- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. (1379هـ). فتح الباري شرح صحيح البخاري (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، جـ5، ص 149). بيروت: دار المعرفة.

- الخلف، سعد إبراهيم. (2024) دور الكيانات غير الربحية في توجيه التحول الاجتماعي من خلال تمكين القيم لدى العاملين لديها والمستفيدين من خدماتها. اللقاء السنوي السادس عشر للجهات الأهلية (غير الربحية بالمنطقة الشرقية، المحور الأول: مفهوم التحول الاجتماعي وتداعياته على الجهات الأهلية (غير الربحية).

- ريتشنبرج. نيل. (2017). الموارد البشرية وآفاق التحول 2020: رؤية حول الموارد البشرية في القطاع العام. صدى الموارد البشرية، 6، 6 وما بعدها.

- مسلم بن الحجاج. (1991). صحيح مسلم (كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، 1/89، رقم الحديث 84). بيروت: دار إحياء التراث العربي.

- Gallup Institute. (2021). State of the Global Workplace Report. Washington, DC: Gallup Press.

- Harvard Business Review. (2020). The Power of Gratitude in Organizations. HBR Press.

تم التحديث في: ١٨ نوفمبر ٢٠٢٥

مشاركة المقال:
شارك المقال:

مواضيع ذات صلة

مقالات ذات صلة

السيرة النبوية

حين باعوا الدنيا واشتروا الجنة

في ليل منى كانت الليلة الوسطى من أيام التشريق. الناس نيام. قريش لا تعلم. والسماء تشهد. سبعون رجلاً وامرأتان في شِعب العقبة، في الظلام، وضعوا أيديهم في يد رجل مطارَد خائف لا يملك إلا رسالته -وبايعوه على السمع والطاعة والنفقة والنصرة، وعلى ألا تأخذهم في الله لومة لائم. تلك البيعة التي لا تُساوي في عيون قريش تلك الليلة شيئاً -كانت هي اللحظة التي انقسم فيها التاريخ. قبلها كان الإسلام محاصَراً في جبال مكة. وبعدها صار له وطن، وللوطن أمة، وللأمة حضارة أضاءت قروناً وقروناً. الأثر الكبير لا يبدأ دائماً بأعداد كبيرة. يبدأ بقلوب حقيقية. وكل ما شيَّدته القرون كان يوماً سبعين رجلاً في ليل.

٢٣ مايو ٢٠٢٦
قراءة
بناء القدرات

وهْم امتلاك المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي

إحدى إشكاليات اللحظة المعرفية الراهنة، هي الانتقال من «حيازة» المعرفة، والقدرة على إعادة إنتاجها، إلى مجرد «الوصول» إليها، ومن ثم نسبتها للذات. تنطلق المقالة من قراءة في التراث لتجربة ابن حزم الأندلسي في تحديه لمن أحرقوا كتبه، ورواية الإمام الغزالي عن قطاع الطريق في مدينة طوس، وحاله عندما أخذوا ما يحمله من علم في دفاتره. اليوم ربما ما يربو على ٩٠٪ هناك أنماط أربعة من منتجي المحتوى المعرفي والاستشاري والتدريبي: ناسخٌ ومحسّنٌ ومحللٌ وصاحب مُلكة، وبين الناسخ وصاحب المُلكة مسافةٌ لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بعمق الفهم وصدق الامتلاك للمعرفة، وحين تميّز بين هذه الأنماط الأربعة، ستفهم لماذا تبدو بعض المعارف والمخرجات متقنةً على الورق، وخاويةٌ عند النقاش. الكلمات المفتاحية: وهْم المعرفة، الكسل المعرفي، التعلم الذاتي المستدام، التفريغ الإدراكي.

١٤ مايو ٢٠٢٦
قراءة
ثقافة مؤسسية

الأمان في بيئات العمل

الأمان يطلق طاقة العقول، ويحوّل الصراحة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفوق مؤسسي مستدام، والبيئة الآمنة تزدهر فيها الثقة، ويتسارع فيها التعلم، ويتعمق فيها الأثر، وكل مؤسسة يرتفع سقفها بقدر ما يرتفع منسوب الأمان فيها، وحين يصبح الأمان ثقافة راسخة، تعمل العقول بكامل نورها، وتتحرك المؤسسات بثبات نحو الريادة.

١١ فبراير ٢٠٢٦
قراءة