أفكار⭐ مقال مميز

أخضر بكل المواسم

أحمد بن عبده المليكي
١٩ نوفمبر ٢٠٢٥
5 مشاهدة
5 دقائق قراءة
شارك المقال:
"

رغم أن القلوب تمرّ بمواسم القحط والجفاف كما تمرّ الأشجار بفصولها، إلا أن الوحي يفتح باب الرجاء بأن الله يحيي القلوب بعد موتها، وأن الخطر الحقيقي ليس في كثرة التحديات بل في فقدان الإحساس بها وقسوة القلب التي يدعو القرآن إلى علاجها قبل فوات الأوان.

أخضر بكل المواسم

عبارة جاءت ضمن سياق يفيض بمشاعر شاعرية جياشة، وزادها المقام الأيوبي كثافة، لكن حتى الأشجار، لا تظل خضراء طوال أيام السنة، إذ تمر خلالها بتحولات تتراوح بين النمو والأزهار في فصل الربيع، إلى الخضرة الداكنة صيفًا، ثم تتجه نحو الاصفرار والضعف في الخريف، وتبلغ درجة الإنهاك في الشتاء، وتصبح جرداء.

وبينما يوشك الشتاء الجاف على إهلاكها، تنتظر رحمة الله، وتزهر وتخضر من جديد.

يمكن لأي شخص أن يحدثك عن مشاكله وتحدياته، أن يسردها ويرتبها حسب ضررها عليه، وما في ذلك من ضير ولا عتب عليه.

لكن من النادر جدًا أن تجد من يتحدث عن معاناته من مشكلة قسوة قلبه، أو جفاف عينيه؛ عن البكاء من خشية ربه، بل وجفاف لسانه عن ذكره، ورطوبتها الدائمة في الحديث عن الناس، أو إصابته بداء تبلد حساسيته للمنكر.

في دراسة علمية أن الإنسان في العصر الحديث قد يتعرض لأكثر من ألفي إعلان في اليوم، إن كان يسكن في المدنية، ولديه وسائل إعلام، ومواقع تواصل اجتماعي، وذلك في الحد الأدنى، بمعنى أنه قد يشاهد مئات الصور التي لا يحل له النظر إليها، لكن تبلد الإحساس، وتسمر الناس أمام الشاشات بكافة أحجامها أصبح هو السائد، وغيره هو النشاز.

(اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها) جاءت لتفتح الأمل للمسلم، بأن الله سيحي قلبه الذي طال عليه الأمد، وقسى وأصبح متبلدًا، جاءت بعد العتاب الشهير: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).

إن لم تكمل قراءة الآية، وقفزت إلى آخرها، تحت أي عذر، فقلبك في خطر.

تم التحديث في: ١٩ نوفمبر ٢٠٢٥

مشاركة المقال:
شارك المقال:

مواضيع ذات صلة

مقالات ذات صلة

السيرة النبوية

حين باعوا الدنيا واشتروا الجنة

في ليل منى كانت الليلة الوسطى من أيام التشريق. الناس نيام. قريش لا تعلم. والسماء تشهد. سبعون رجلاً وامرأتان في شِعب العقبة، في الظلام، وضعوا أيديهم في يد رجل مطارَد خائف لا يملك إلا رسالته -وبايعوه على السمع والطاعة والنفقة والنصرة، وعلى ألا تأخذهم في الله لومة لائم. تلك البيعة التي لا تُساوي في عيون قريش تلك الليلة شيئاً -كانت هي اللحظة التي انقسم فيها التاريخ. قبلها كان الإسلام محاصَراً في جبال مكة. وبعدها صار له وطن، وللوطن أمة، وللأمة حضارة أضاءت قروناً وقروناً. الأثر الكبير لا يبدأ دائماً بأعداد كبيرة. يبدأ بقلوب حقيقية. وكل ما شيَّدته القرون كان يوماً سبعين رجلاً في ليل.

٢٣ مايو ٢٠٢٦
قراءة
بناء القدرات

وهْم امتلاك المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي

إحدى إشكاليات اللحظة المعرفية الراهنة، هي الانتقال من «حيازة» المعرفة، والقدرة على إعادة إنتاجها، إلى مجرد «الوصول» إليها، ومن ثم نسبتها للذات. تنطلق المقالة من قراءة في التراث لتجربة ابن حزم الأندلسي في تحديه لمن أحرقوا كتبه، ورواية الإمام الغزالي عن قطاع الطريق في مدينة طوس، وحاله عندما أخذوا ما يحمله من علم في دفاتره. اليوم ربما ما يربو على ٩٠٪ هناك أنماط أربعة من منتجي المحتوى المعرفي والاستشاري والتدريبي: ناسخٌ ومحسّنٌ ومحللٌ وصاحب مُلكة، وبين الناسخ وصاحب المُلكة مسافةٌ لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بعمق الفهم وصدق الامتلاك للمعرفة، وحين تميّز بين هذه الأنماط الأربعة، ستفهم لماذا تبدو بعض المعارف والمخرجات متقنةً على الورق، وخاويةٌ عند النقاش. الكلمات المفتاحية: وهْم المعرفة، الكسل المعرفي، التعلم الذاتي المستدام، التفريغ الإدراكي.

١٤ مايو ٢٠٢٦
قراءة
ثقافة مؤسسية

الأمان في بيئات العمل

الأمان يطلق طاقة العقول، ويحوّل الصراحة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفوق مؤسسي مستدام، والبيئة الآمنة تزدهر فيها الثقة، ويتسارع فيها التعلم، ويتعمق فيها الأثر، وكل مؤسسة يرتفع سقفها بقدر ما يرتفع منسوب الأمان فيها، وحين يصبح الأمان ثقافة راسخة، تعمل العقول بكامل نورها، وتتحرك المؤسسات بثبات نحو الريادة.

١١ فبراير ٢٠٢٦
قراءة